فخر الدين الرازي
52
النبوات وما يتعلق بها
أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ ، نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ، كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ، كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ . وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ . وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ . وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا ، يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ . وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ ، هارُوتَ وَمارُوتَ . وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ، حَتَّى يَقُولا : إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ، فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ . وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ . وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ، وَلَقَدْ عَلِمُوا : لَمَنِ اشْتَراهُ ، ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ . وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ » [ البقرة 98 - 102 ] . تبين الآيات الكريمات مما تبين : أن اليهود لما جاءهم رسول من عند اللّه ، هو محمد صلى اللّه عليه وسلم بكتاب القرآن - وهو مصدق للتوراة التي معهم في توحيد اللّه تعالى ، واثبات القيامة ، وضرورة النبوة إلى الخلق . والتخلق بالأخلاق الحميدة ، وأن الجنة لمن أطاع ، والنار لمن عصى - لما جاءهم الرسول بالقرآن ترك فريق من اليهود كتاب التوراة وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون من التوراة أن محمدا مكتوب فيها . واتبعوا كلام العلماء الفسقة الذين لقبهم اللّه بالشياطين ، لأنهم مثلهم في الإغواء والفساد . وهؤلاء العلماء الشياطين قد ادعوا كذبا وزورا دعاوى باطلة هي : 1 - أن سليمان نبي اللّه قد كفر . 2 - أن اللّه أنزل وحى السحر على هاروت وماروت وأمرهما أن ينزلا إلى الأرض على علماء اليهود ليعلما منهم من أراد السحر . 3 - أن هاروت وماروت علما البعض ، ولم يعلما الكل . 4 - أن علماء اليهود الذين تعلموا من الملكين هاروت وماروت ، والذين تعلموا فيا بعد من المشايخ يستطيعون أن يضروا من أرادوا له ضررا بواسطة السحر . واللّه تعالى قد كذب الدعاوى ونفاها . فقد بين بوضوح ما يلي : أولا : قال تعالى : « وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ » و « ما » نافية . أي أن ادعاء